موقع الشاعر الزجال أحمد لمسيح
شهادة عزيز أزغاي
شهادات
قائمة التصفح

 

كتابات

 

صوتيات
 
مرئيات
 

عزيز أزغاي

 أحمد لمسيح  من السكويلة الى ظل الروح

 قريبا من ثرثرة  السابلة ... بعيدا عنها بقليل، يختار أحمد لمسيح دائما أن يكون على شفى الأرض... الأرض البيضاء التي بوجوه من استعارات و حواس من ورق و بالحرس التي يليق بنزاهة في الحياة، يدخل صاحبنا إلى معمعانها و إلى معمعان الشعر بغير قليل من المغامرة- مغامرة وضع اليد حيث يجب لها أن توضع دون أدنىاكتراث للفواتير وردود الفعل الآهلة بالخفة والتسرع القارس ، بحيث بإمكانك أن تعثر عليه ، كلما نزل إلى ضجيج العاصمة بحثا عن نكات ضالة ، غارقا في تأثيث شؤون كلامه الخاص حتى يبقى وفيا لذات الفكرة التي قادته في عمر مضى إلى نسج الحكمة – حكمة التاريخ والأجداد وعامة الناس ... حتى أنه يقول :

عشراني في الكلام

حاطبين الليل

عاطيين ظهرهم للظلام

ونورهم سبيل

أثرهم في الروح وشام

ونومهم قليل  ( ظل الروح  - ص 15)  

بهذه الهمة العالية ، يمكننا قراءة أحمد لمسيح شاعرا مبدعا وصديقا للجميع  ، وقبل هذا وذاك إنسانا ينسج عبوره الواثق  ، فوق هذه الأرض ، بالشكل الذي يراه أهلا بصرخته الأولى ، تلك التي قالها مرة بإحدى بطاح دكالة المعفرة بعرق الفلاحين والخماسة وصغار هذا الشعب .

كيف ، إذن ، جاء إلينا هذا الرجل اللذيذ  بكل هذه الجذبة الشيقة ، التي تجعلنا كلما انخرطنا في ميزانها نحس  بأننا أصبحنا مشبعين بحقيقة الأرض  وبسمو إنسانها المغربي البسيط ، صانع بهائها الهائل ؟

جوابا  على هذا السؤال ، اسمحوا لي أن أحملكم معي إلى مطلع الخمسينات ، هناك بالذات سنجد أحمد لمسيح  غارقا في ألعاب ورثها هو وأقرانه  عن أجيال سبقتهم ، ألعاب مثل ( شيرا ، التعابيز ن هيرا ، وحراز الحايك .... ) حين سمع البراح يطوف مناديا بأعلى صوته  :  " السكويلة غاتحل  ، وخاصكم تمشيو  تقيدو  اولادكم عند المدير " ...

كان صديقنا آنذاك لم يتجاوز سنواته السبع بعد  ، الذي جعل أمر قبول " تقييده لدى المدير " أشبه بليلة العيد  ، هذا الفرح الذي سرعان ما بدأت شرارته تخبو  كلما قرب موعد الالتحاق  ، ليختلط بمزيد من الدهشة وبسيل من الخوف ... كان ذلك في إحدى صباحات سنة 1956 أو 57  ...

في ذلك الصباح الاستثنائي ، اكتشف أحمد الصف وتحية العلم والمناداة على التلاميذ بالأسماء ، كما اكتشف المعلم والقسم والجلوس على الطاولة حيث الأقدام لا تصل إلى الأرض ... إلى غير ذلك من طقوس السكويلة  ، أيام كان على الآباء شراء الحقائب وريشة العربية وريشة الفرنسية وعلى السكويلة المداد ...

في البداية كان صاحبنا لا يفكر سوى في الدراسة ، كان لايعرف من الوظائف سوى وظيفة المعلم .. بعدها بدأ يعرف أن هناك المفتش والقايد والطبيب .. إلخ  ، حتى أنه رأى يوما أن بإمكانه أن يجهد نفسه  بالدراسة حتى يصبح وزيرا مرة واحدة ، ليصدم فيما بعد بكون هذا المنصب وما يعادله لايصله صاحبه بالقراية  ... فكان شغله الشاغل بعد ذلك هو النجاح فقط... كان صاحبنا يغادر بيت العائلة في الصباح الباكر باتجاه المدرسة ، حيث يقضي النهار كله  ، وبين حصتي الصباح والمساء  يتناولون غذاءهم  تحت أشجار الكالبتوس ، جنب الطريق  ( خبز مدمس بالزيت أو الزبدة وزجاجة صغيرة بها شاي يحكم إغلاقها  بلفتة أو جزر ة .. ) . ولا مجال بعد وجبة الغذاء " الغنية  " هاته للنوم  ، لأن المقالب تتربص  بالمتهاونين ، ( اغفل طارت شكارتك ) أو تستيقظ فتجد سروالك مفتوحا  ؟

هكذا ، إذن ، بدأ صاحبنا في تحصين هواجسه وطموحاته بالتحصيل  ، دون أن يبعده ذلك عن استعمال خياله الطري لتقليد أبطال قصصه  من المقروء  في بلوغ ما يحلم به  ، حتى إنه مرة ، وبعد تأثره بنص " رسالة إلى الله "  الذي يحكي قصته طفل  كتب رسالة إلى الله يطلب منه قضاء حاجة ما ، ثم وضعها  بصندوق البريد  ، هذه الرسالة قام بالإطلاع  عليها أحد المحسنين  فحقق  للطفل أمنيته  .  وبما أن صاحبنا  أحمد كان يحلم  في طفولته المبكرة بالحصول على دراجة للسباق ، فقد كتب هو الآخر رسالة  على منوال طفل القصة  ولحد الساعة ما يزال لا يعرف مصير رسالته ، حتى بعد أن التحق بالمعهد الديني بالجديدة  لإتمام دراسته الإعدادية والثانوية  ثم الجامعية فيما بعد بفاس .

لكن ما نعرفه عن أحمد لمسيح  ، كما تحكي قصائده  الزجلية والفصيحة  .... أنه أتانا أعزل  يطلب دفأنا ، حيث يقول في " الما .. كانة " :

جيتكم كتفي عريان  دفوني

منكم طالب  لحمية ، لا تلوموني

رانا  غير مسيح

ديَّعني الن... شاط

لخرين سلامهم ركلة بالسباط

جايكم هربان بالمحبة

نخبي منها ماشاط

راني  نبت في دكالة

وتقولبت في الرباط      ( شكون اطرز الما ؟ - ص35)

 

ألقيت هذه الشهادة في حفل تكريم أحمد لمسيح بنادي الأسرة التابع للمسرح الوطني محمد الخامس في شهر مارس 1998

المصدر  :  جريدة النشرة  ( عدد 20 – 26 أبريل 1998)
زجل أحمد لمسيح :: :: 2008 ® حقوق محفوظة