موقع الشاعر الزجال أحمد لمسيح
شهادة حسن بيريش
شهادات
قائمة التصفح

 

كتابات

 

صوتيات
 
مرئيات
 

حسن بيريش

أحمد لمسيح
لمذاقه اسم واحد هو: الفرادة


I.

رسوخ البداية:

وقد يقترف بعضا من انحسار، لكن ليمتد أقوى وأعمق، وليمارس مثوله الأبرز في جنبات الديمومة• أما يقين الصيرورة فلم يمتشقه إلا وهو يبدع رسوخ البداية• هكذا أريد أن أحب هذا الشاعر الكبير، هكذا أريد أن أغبطه


II.

شهوة الأقاصي:

خلق أحمد لمسيح ليكون حجة على براعة تحويل الكلام إلى كتابة، والعامي إلى فصيح

الفصيح• وانتدبته موهبته المأهولة بالسبر والتقصي، لكل يعيد المنتهي إلى مبتدأ، والمبعثر إلى سياق• حين أقرأ أحمد لمسيح أعثر فيه على انتمائي• أجد عنده حاسة انحيازي• في صلب هذا المشهد يضيق الأمام• يبتعد الوراء• يبدأ الغير في التلاشي• فأدمن البحث عن نظير لن أدركه• كتابة جديرة بالمدائح• تأخذنا إلى أبعد مدى• تؤجج في يقيننا جذوة السؤال• فلا نعود ننشغل بوصل المنقطع، واستكمال الناقص، فحسب، وإنما نسرف في النأي لنسرف في الدنو• ونجهر بقدرتنا على رفض اطمئنان التوحيدي الموهوم: قضي الوطر، وأدركت البغية• كتابة ناهيك بها إجادة، لم تفارقها شهوة الأقاصي• مثلما لم تحد قيد كلمة عن استغوار الحياة، ومبايعة البواعث الأولى


III.

الاختلاف المزدوج:

انتزع أحمد لمسيح الاعتراف بضلوعه في الزجل، منذ استشعر سيادة الكلمة، واستجار

بحمى الإفضاء، ذات عبور بين زمنين للمضمر والمعلن، للعام والخاص• ارتبط إبداعه عند جيله بعلامتين: استغوار العبارة، بالمعنى الأكمل، التماس الأقصى مع الجرح• وفي مسافة، لا قطيعة، المابين، ثمة تفاصيل تتبصر الوقت، تنوس بين أمكنة، وجوه، وحكايا• ولجيلي تبدى رائيا ليس من طرازه سواه، رأينا فيه صرخة الإنذار المغزولة في نسيج البشارة• ولم يكن لنا ان نعتبره كالآخرين، لأنه يملك الاختلاف المزدوج: مع، وعن• ولأن لمذاقه اسما واحدا فقط هو: الفرادة• ومادمت أذكر، فسأذكر أبدا أن أحمد لمسيح وحده الذي كرس في لغتي الممتدة من ساطع الوضوح الى فاتح الغموض• وجعلني آتي إلى الكلام دون أن أهيل النسيان على الذاكرة، وأكتم سرا على البياض


IV.

حبق الطفولة الأبعد:

كلما تقدمت في قراءة أحمد لمسيح، أغادر مواقع القناعات، لألج مناطق الشك• هي حالة ارتحال لا يستكين صوب المفترض، المستعصي، تنهض بها نصوص تتشعب كيف شاءت في مهب الحياة، وتمعن في افتضاض مجاهل الذوات، لتغدو تاليا ترميما لما تكسر، وتصدع، في الدواخل• لشعر / زجل أحمد لمسيح رائحة مميزة تؤجج الاحساس بمذاق الارض، وتقبض على المحسوس والمرموز في آن• عدا عن حمولة سيرية ـ ذاكرية، تستدعي ركام عمر آب الى الآهة الاولى، الى حبق الطفولة الأبعد• يدرك زجالنا اللافت، هذا الذي أربك جاهز المقاييس عبر انتقاله الى العامية من الفصحى، أن ما هو سياسي يلتهم الشعري ويواريه• بتعبيره، بيد ان نصوصه التي استأثرت بجماع دهشتنا، وروت حدبا كاد يأتي علينا، لم تنطق عن اليومي وحده، ولم تتشكل في منأى عن حوزة السياسي• هكذا أدرك بجلاء كامل ذلك الرأي الذي أطلقه لمسيح، ذات تقديم لشقيقه في الزجل، مراد القادري: السياسة ابتدأت مع أول كذبة في الوجود، بينما الشعر ابتدأ من الحلم


V.

كلام يصطاد الكلام:

بدا لي أحمد، من أول لقاء معه، محكوما بالحياة• مأهولا بالصفاء• ينخرط في التداول اليومي بحنكة وروية، يتوالج مع المستحدثات بتفوق لا يغالب• دون أن يمارس السرية لا مع نفسه، ولا مع الآخرين الذين يتكاثرون من حوله، ويصغون فيه إلى كلام يصطاد الكلام• و إلى قرب آسر لا يطاله ابتعاد• أحمد، الشاعر الذي اختاره وزير الثقافة مستشارا له، لم يتدرب قط على الغياب• فهو غارق في تفاصيل التواجد• يتوحد بامتياز مع الحضور مثلما توأم سيامي• ونادرا ما يقترف النأي، التواري، أو التمنع• لم يصدر يوما عن بطل البساطة، أحمد، ما يسبب للعلائق، علائقه، شروخا أو حتى خدوشا• في ذروة الفرح، فرحه، أجهش ببعض من جوهره النادر: إني يتيم إذا غاب رفاقي• وعند استشراء الأسى، عند تسلطن الخيبة، استمسك بفضيلة الحلم، التي هو وحده يعرف متى وكيف يشهرها، ولم يند عنه أكثر من: أنا غاضب مني عليّ• وأيم الحق، تبدى لي أحمد، وأنا أغادره: أكثر من رجل• أقوى من شاعر• للقائه عناوين كثيرة، ليس أولها البهجة، وليس آخرها الغبطة


VI.

الطاعن في عمرنا:

يجهر أحمدنا، ذات انسياب يحاكي الأنهار، بشكل تعاطيه الفائق مع الإبداع: الكتابة إذا لم تصل حد العبادة فهي استمناء• بهذه الإضاءة النظيفة من العتمة، يتكشف زجالنا الأبهى عن جينات خاصة تتوارثها أشعاره التي يتواضع فيعتبرها مجرد: تنويعات وتمرينات لذلك النص المتوقع والمطارد أبدا للقبض عليه حيا أو ميتا• أحمد، يا أيها الزجال الكبير، الطاعن في عمري بلا حد• عبرك نمارس التطواف حول جوهر متسرب أبدا منا• بأثرك، ببصمتك اللا تمحي، نمسك بكل العبارة، لا بظل كلمة ـ كما تدفقت يوما إلينا، واصطدت دهشة كبرت بيننا، باختصار رائع• أحمد، يا قريبي في البعد• لماذا يتسامق الحبور في دمنا حين تكون أنت، أنت وحدك، محور الكلام وألفباء الحديث؟ لأنك أنت القائل: أسير، وأسير، ولا طريق


VII.

خطفني إليه:

ردو البال أهياوين ردو البال

ذاك الحاضي الساروت، للناس عمال

والحق الله يرحمو ف الركنة عطّال

ما لا بْسو غير القوي وبْلا تفصال

الحق ف القبة البيضا ساقي وكسّال

وف الخيمة المرجومة للميت غسال

والفرح باكي، ولّى يتيم وهجال

لله قولوا واش يفك هاذ لخبال

هذا مقطع من قصيدة فلسطين غار في السما، خطفني إليه في لحظات نضرات، انتهى عند حافتها الإعجاب، ليبدأ الانعطاف صوب محبة خالصة• على رائحة برق هذا الزجل المقاوم، صحوت: أما من ظل في لفحات الهجير؟ أما من عزاء في متاهة التطلعات؟ أما من مؤشر على تحول وانتقال؟ يجيب طفل حيفا البلوري، سميح القاسم، نيابة عن أحمد وعني:

بعد كل هذا الليل لم يبق إلا أن يشرق الحجر!•

أجل: لابد لنا من شروق• نحتاج الى شروق

.VIII

يتكاثر شاعرا وناثرا:

ثمة شعراء يصعب ائتمان النثر عليهم• وآخرون عرايا من صنيع تحويل ما هو نثري الى ما هو شعري، يملك أجنحة التحليق خارج مدار البياضات• ـ أما اللاعب بالبلاغة، أما أحمد لمسيح: فهو المؤتمن الدائم على الصنعتين• يتكاثر شعرا ونثرا• ويسبقنا الى الغد• طوبى لك، أحمد، وطوبى لنا بك•

المرجع:

http://www.alittihad.press.ma/def.asp?codelangue=6&date_ar=2006-8-

زجل أحمد لمسيح :: :: 2008 ® حقوق محفوظة