موقع الشاعر الزجال أحمد لمسيح
شهادة عبد الرحيم العلام
شهادات
قائمة التصفح

 

كتابات

 

صوتيات
 
مرئيات
 

عبد الرحيم العلام

أحمد لمسيح حوارية مبدعة

باسم إخوتي في المكتب المركزي لاتحاد كتاب المغرب أود أن أحيي بحرارة منظمي هذه الدورة الجديدة والاستثنائية للمهرجان الوطني للزجل بابن سليمان• أقول "استثنائية" لسببين اثنين على الأقل: أولا: كونها دورة تحتفي بأحد رموز التجربة الزجلية الحديثة في بلادنا وأحد روادها الأوائل؛ يتعلق الأمر بالشاعر والزجال المغربي المتألق أحمد لمسيح، في أول ظهور ثقافي وأدبي له، بعد خروجه سالما معافى من وعكة صحية ألمت به؛ ليعود إلى أسرته وجمهوره وعشاقه، وإلى عوالمه الشعرية والزجلية الفاتنة•••"فالصربة ما توقفها عجاجة"، على حد تعبير شاعرنا أحمد صبري• ثانيا: كونها دورة تحمل اسم مبدعة مغربية رحلت فجأة عن عالمنا• استضافها بحر آخر، ليس هو نفس البحر الذي كثيرا ما تغنى وتغزل به أحمد لمسيح في جل دواوينه الفصيحة والزجلية؛ وعشقه، فجعله قرينا للحياة؛ بل يتعلق الأمر ببحر آخر أكثر غدرا، تأججت في أغواره شهوة الموت ليضم إليه "طبيق الورد"، "شبشوبة"• بحر لم يعترف بجميل أحمد المسيح عليه، ولم يأبه لطموح مبدعتنا الراحلة، ولا لأحاسيسها وحبها للحياة والوطن• قسا عليها أهل البر فاستضافها البحر ثم لفظها بدوره، فـ"من لا بر له لا بحر له" يقول محمود درويش؛ بحر لم يمهل فاطمة الحياة لتكمل حكاية عشقها الأدبي والفني والأكاديمي• وهاهي مدينة ابن سليمان اليوم تستعيد روحها الطيبة لتحوم من جديد في هذا الفضاء التعبيري البهي الذي طالما عشقته فاطمة وأبدعت فيه، بل وكانت أول شاعرة مغربية تنشر في الزجل ديوانها "طبيق الورد"• لقد كان الزجل دائم الحضور في الأفق الثقافي والإبداعي لاتحاد كتاب المغرب، وفي أنشطته ومنشوراته؛ نتذكر جميعا تنظيم الاتحاد للمهرجان الوطني للزجل بمكناس في ثمانينيات القرن الماضي، شاركت فيه الراحلة فاطمة شبشوب بجرأة إبداعية لافتة• كما يعتبر شاعرنا أحمد لمسيح أول من ولج بزجله بوابة "آفاق" في الثمانينيات؛ المجلة التي استضافت الإبداع الزجلي المغربي في عدد خاص، ومنذ ذلك الحين والقصيدة الزجلية ترصع بوابة الإبداع فيها• ومؤخرا فقط، احتفى فرع اتحاد كتاب المغرب بالرباط بأول أنطولوجيا للزجل المغربي، الصادرة في جزئها الأول بعنوان "مجمع الكلام"، بإعداد وإشراف الزجالة المغربية المتألقة نهاد بنعكيدا• ومن شأن الإكثار من مثل هذه المهرجانات، وغيرها، أن ترد الاعتبار لهذا الجنس التعبيري المتجدر في ثقافتنا العربية، والذي كثيرا ما اشتكى من الضيم والإقصاء، ومن خلالها يتم رد الاعتبار أيضا للغتنا العامية في أبهى تعابيرها وصورها وتجلياتها الجمالية• وها هو المهرجان الوطني للزجل بابن سليمان يكبر اليوم أمامنا، فتكبر معه الأحلام، وتتراكم الأسماء، وتتناسل النصوص، وتتوالى الملتقيات، من "ابن سليمان" هنا إلى "بني عمار" هناك••• في هذا الأفق الشعري المضيء، إذن، نحتفي اليوم بأحد أقطاب الزجل المغربي الحديث في هذه المدينة الزاخرة بالأشكال التعبيرية والتراثية والفنية غير الغريبة عن الزجل وطقوسه• نحتفي بأحمد لمسيح؛ هذا الفتى القادم إلينا من سلالة شريفة ومتصوفة، ومن بادية ملآنة بليلها الفاتن، وببساتينها التي "توقف شعر الرأس" و"تتفتق حولها المخيلة بالفانطاستيك (وحق الله ابادريس)، يقول السارد في سيرة شاعرنا الذاتية (في البحر ذاكرتي، ص 20)؛ كما نحتفي أيضا بأحمد الطفل الطالع إلينا من طفولة تمجد الحياة هربا من سؤال العمر، وتوثر المشاهدة والمشاركة في طقوس خبزة المحراث والاحتفال بجز أصواف الغنم ومواسم الحصاد والدرس، والأعراس، وتغنجة، والسبع بولبطاين، وخيمة الشيخات وعبيدات الرمى، ومواكب احمادشة وعيساوة ودور الطلبة واحتفالات عاشوراء والحلايقية والسويرتي ومسيح الحلقة والمجذوب والصحراوي الذي كان يبيع قاقة وبيض النعام"••• (في البحر ذاكرتي، ص29-30)• برز أحمد لمسيح منذ سبعينيات القرن الماضي مبدعا حتى في ارتجالاته وحكيه وتعليقاته الشفوية، التلقائية والعفوية مر بتجارب غنية وحيوية، ساهم بها في تحريك المشهد الجمعوي والثقافي والإبداعي بالمغرب: أعن أخاك- اتحاد كتاب المغرب- الشبيبة الاتحادية- الحزب- المؤتمرات- اللجنة الدائمة للثقافة العربية، بيت الشعر- وزارة الثقافة، وغيرها••• وقبل ذلك بكثير، تحكي سيرته الذاتية عن نضاله على الطريقة الأولى، وعن وعيه السياسي المبكر أيام "المقاطعة بوضوح للدستور الممنوح"، ووضعه الشارة الحجرية، بزهو وخيلاء، لأول مرة على ذراعه، عدا نشاطه المسرحي بفرق الأحياء وبالمسرح البلدي بالجديدة، وعزفه على "لوتار"، وعشقه المبكر للسينما، وللممثلين العالميين، من ستيف ريف إلى قاري كوبر (في البحر ذاكرتي، ص46)• ألا تشبه صوره المتداولة عموما صور قاري كوبر أو جيمس دين، بما فيها صورة ملصق هذه الدورة؟•• ساهم أحمد لمسيح بكتاباته الزجلية، المثيرة والممتعة، في الدفاع عن التجربة الزجلية وترسيخها في ثقافتنا الأدبية المغربية، مستندا في ذلك إلى ينابيع الذات والمعيش، وإلى مخزونه الثقافي وذاكرته وذهنه المتوقد، فنجح في تحديد علاقة جديدة بين العامية والفصحى في إطار جمالية حوارية مبدعة• وهو إلى جانب ذلك، شاعر أنيق وممتع، سريع الخاطر، وحاضر النكتة: "تقولوا الشمس ضاوية والسر عليه" (في البحر ذاكرتي)• يعمل دائما في الظل ويميل إلى الخفاء أكثر من التجلي• كائن ليلي بالمفهوم السامي للكلمة، مسيح واحكيم ومجذوب وبوهالي طالب حركي بفاس، وشاعر محرض، وشخصية محورية بالرباط• كان بيته دائما، حسب أصدقائه، خلية سياسية• جعل شعره لمدة في خدمة السياسي والوطني ومساندة قضايا النضال ومقاومة كل أشكال الضياع والغربة والإخفاق، قبل أن ينتقل إلى معانقة الإنساني والجوهري فينا وفي ذواتنا المكلومة• شغوف بالبحر إلى حد الجنون• وقد جعلت منه هذه السجايا النادرة، وغيرها كثير، مبدعا استثنائيا؛ فأزجاله تنبض بالحياة والمعاني والألوان، وهو خير من عبر عن الروح وظلها، وعن الروح المغربية تحديدا، بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى ورائحة••• كما تحفل أزجاله بالقيم العليا وبمعاني النضال والجمال والكرامة والحب والعشق والنوستالجيا والوفاء للذات والجماعة• فأحمد لمسيح يعرفه الجميع بكونه إنسانا "سوسيابل"• يتقاسم لذة الحياة مع الآخرين، حتى في أزجاله: ابادريس- زفزاف- السنوسي- لهبولي- الشحرور- حمودة- الصبان- - المجاطي- خير الدين- راجع- بركات- مينة- غسان- ريم- وفاء- الفتنة- المؤسس- عقار••• يكتب سيرة هؤلاء، وغيرهم، في "توحشت راسي"، كما يكتب، في أشعاره وأزجاله، سيرة القلم والحرف والمداد والكلام والقصيدة والكتابة والبحر والماء والمرأة والنور والظلام والرحيل والمدينة والرائحة والموت والليل والريح والعشق والوطن والحرية والطفولة والحلم••• فكما يحتفي زجله بالماء، في معانيه واستعاراته وتجلياته المختلفة، يحتفي أيضا بماء الشعر و"لقصيدة" و"اطريز لكلام"، فتجده ينتصر لـ"لقصيدة"، كينونته الحقيقية وبيته الأبدي الذي يقيم فيه: "القصيدة طرف منك وأنت طرف فيها"(شكون اطرز الما؟، ص45) و"قالوا لي جاك الشعر في حقك" (ظل الروح، ص36)• تراه يمجد القصيدة كما يمجد المرأة، فـ "بانت له القصيدة امراه - بانت ليه لمرا قصيدة"(ريحة الكلام،ص 25)• يستجير بحمى الكلمة من عنف الواقع وابتذاله وزيفه وأوهامه فيتأجج الإحساس بكل ما هو جميل وأصيل فينا، وحين يريد أن يرتاح من وعثاء سفره في السياسي يعود إلى ذاته كلما "توحش راسو"، فتراه "سايح ورا حكمة المحبة" (ريحة الكلام، ص21)، ليجعلنا نحن معه إلى أحلى ما شم في حياته: رائحة شعر مبلل لامرأة خارجة توا من متروسة ورائحة الأرض بعد المطرة الأولى• شكرا للجميع على ابتكار مثل هذه الدهشة الفاتنة التي تليق بهؤلاء المبدعين، وعلى تنظيم مثل هذا المهرجان المحرض على العطاء والنبل• ألا أيها الشعراء، اسمحوا لنا بأن ننتشي في حضرتكم بأريج الحياة•

(*) نص كلمة المكتب المركزي لاتحاد كتاب المغرب في المهرجان الوطني الثالث للزجل بابن سليمان ، دورة فاطمة شبشوب وتكريم أحمد لمسيح، وقد حررها وألقاها بالمناسبة الناقد عبد الرحيم العلام، عضو المكتب المركزي

2007/5/27 – جريدة الاتحاد الاشتراكي

 

زجل أحمد لمسيح :: :: 2008 ® حقوق محفوظة