موقع الشاعر الزجال أحمد لمسيح
شهادة محمد الهرادي
شهادات
قائمة التصفح

 

كتابات

 

صوتيات
 
مرئيات
 

محمد الهرادي

أحمد لمسيح  : الشاعر لي توحش را سو 

  كلما التقيت أحمد لمسيح ، عنوة أو صدفة، وطيلة السنوات التي مرت ، أوقعني دون إرادته في فخ العواطف التي تثيرها شخصيته الآسرة ، الغامضة ، والمتعددة ..

يحدث أحيانا أن أقارنه بتلك الشخصيات الروائية التي تبحث عن قيم يستحيل إدراكها ، وعبر هذا الإسقاط الموجه أحاول أن أصل إلى جوهره وأفقه ، لكنني لا أجد خلف ذلك إلا القليل ... ومن هذا القليل أنفذ إليه وأعيد صوغ صورته باستمرار تماما كما يحاول هو نفسه أن يقوم بذلك .

أثارتني في البداية تلك العلاقة الشفافة التي عقدها مع محمد الأشعري  وهما معا يستـقران ، في شبه انتظام بمجلة " أقلام"  لتحاورا في " أمور الوقت " وفي قضايا الشعر الذي كان وقتها يفتح آمالا وسط خيبات الأمل . كان كل منهما يستـقرئ " تجربة " الآخر ويخلخل أساسات تلك القصائد الطرية التي كانت أسئلتها الجذرية أقوى منها ، ثم تشعبت هذه العلاقة الشبيهة بعلاقة " الثنائي " الذي تـتصادى خلفه أصوات ( الكورس ) لتشمل القراءات الشعرية المشتركة في المقرات والاتحادات والمنتديات ، وكانا معا ، وهما يرسمان الإشارات  ويدفعان  بمشروعهما إلى الأمام ، يوقظان فينا تلك الكلمات النائمة التي تنتظر أن تقرأ ، بعد أن قطراها من تجربتهما النضالية  في غفلة عنا ..

كثيرا ما ولجت مقر الحزب بالعكاري لأستمع  إليهما ، وأتأمل بالخصوص تلك الغبطة التي ترتسم على وجوه الجمهور الشاب الذي حين يسمع لغته اليومية  وقد جاوزت حدود استعمالها  وصارت شذرات حكمية ، يضج بالهتاف  والتصفيق ، وهذا يعني انعطافا مثيرا يؤسسه أحمد عن طريق إعادة الشعر إلى أصحابه  : الجمهور  ، وهو مالا يستطيعه الشعر " العالم " " الفصيح " إلا في النادر ، وبشروط عديدة لا داعي لذكرها ..

منذ تلك البدايات ، أي منذ أوائل السبعينات  ، تحولت أذني التي تستمع إلى أحمد لمسيح  إلى مخلوق آخر ، وبالفعل حاوت هذه الأذن أن تلتـقط تلك العلاقة الممكنة بين إرسال الكلام وإنتاج الشعر ، أفلتت الكثير ، لكنها اكتشفت دوما تلك النجوم المضيئة في مشهدنا الشعري الذي ليس قاتما بالضرورة .. وأشعلها أحمد بيقين الكاشف المتواضع ...

بعد سنوات قليلة من هذه البداية التي وثقت الروابط الأدبية بين شاعرين تفرعت السبل واستقل كل منهما  بطريقه وشهوده ومخاطبيه ، لكن ذلك اللب الإنساني الذي تدعمه قضية واحدة لم يهترئ  ، ولم تذبله السنوات الساخنة  أو المجذبة التالية ...

بقي أحمد لمسيح كما كان ، يخترقك بنظرته الكاشفة ويرسل إليك كلمة واحدة مرتجلة  تجعلك تخلق  نفسك مرة أخرى على شكل كائن ضاحك يكتشف العالم للمرة الأولى ، كما يجعلك تعتـقد أن  هذا الكائن " المجذوب " الذي قدم من باديته المفتوحة  " ليـتمـسمـر " في الرباط ليس هو نفسه دائما  ، إنه " الآخر " الذي يهمل حلق لحيته  ليوهمك أنه يضع قناعا ،  ويلبس طاقية  ل " يختفي " عن الأنظار ، ويتكلم  قليلا ثم ينسحب  حين يكون مهموما ، و " يحتـل " البحر لوحده في الليالي الحبلى بالكلمات  ، وهو ينتظر طلوع الفجر في محاولة لاصطياد ذلك  " الشيء " الذي يتمخض في بحر صدره .. والواقف أمامك وخلفك  دون نوم أو طعام  في " الملمات " الثقافية الكبرى ، خصوصا منها مؤتمرات اتحاد كتاب المغرب .

مضت سنوات عديدة منذ ذلك اليوم الذي حل فيه المهدي أخريف قادما من خريبكة للمشاركة في نشاط ثقافي لجمعية " أعن أخاك "  ، كان أحمد مسؤولا  عن تلك الأنشطة التي كنا نسميها  " أعن أخاك بالقراءات الشعرية " ، ولسبب ما وجدنا أبواب المقر مغلقة ، كأن قدرا ما لم نخمن مفاجأته ، حول هذا " النشاط " إلى وجهة أخرى ، أي إلى بيت أحمد وأمينة باليوسفية ...

وقتها كان الطفل غسان  قد انفتح له أفق ملئ بالانتظارات  التي ولجت به منذ طفولته الأولى إلى عالم  " السياسة " و " الثقافة "  وفيما هو يتراكض أو يندفع نحونا ليدلي برأي أو موقف حاسم  ليشاركنا دون تردد ، في الموضوعات العامة التي كانت تؤثث ليلنا الطويل : حدث أمر هام غير متوقع ، ولكنه ضروري ، وكما نزل المن والسلوى من قبة السماء لقوم آخرين ، نزل أمامنا  ذلك " الكائن " العجيب الذي اختلفت الديانات في تصنيفه ، وضحك المهدي أخريف  كما لم يضحك مطلقا من قبل وهو يلمس  ذلك  العمق الأبيض الطيب ويتحسس ا ستطالا ته  ونتوءاته ومواقع ضعفه وقوته . لم نستطع جميعا ، ونحن نجلس صحبة شباب رفاق ، أن نغالب قوة المفاجأة ، ولذلك شمر كل منا عن ساعده ليكون في مستوى الحدث .

أليست بلاغة الكتمان  هي التي اخترعت الكلام ، أليس غياب الكلمات  هو المدخل لقول الشعر المنذهل بعنفوان زمانه ؟

محمد الهرادي : بورتريه من المغرب

جريدة الاتحاد الاشتراكي : 17 دجنبر 2000

زجل أحمد لمسيح :: :: 2008 ® حقوق محفوظة