موقع الشاعر الزجال أحمد لمسيح
شهادة إدريس الخوري
شهادات
قائمة التصفح

 

كتابات

 

صوتيات
 
مرئيات
 

إدريس الخوري

امسيح دكالة

1 - أن أتحدث عن أحمد لمسيح، كصديق وإنسان، كشاعر نازل من أعماق الكلام، وصاعدا إليه، فهذا يعني بأنني أتحدث عن جزء من كياني الجسدي والنفسي والوجداني، فضلا عن الهم الثقافي المشترك، فهل من الضروري أن يعود المرء، كلما انتابه الحنين، إلى بداية تاريخ الصداقة بينه وبين من هو عزيز عليه؟

 بإمكاننا الآن، ونحن نقدم هذا الكائن للقارئ والمستمع قربانا للكلمة، أن نستحضر بعض الملامح التاريخية لهذه الصداقة حتى يكون في المشهد الخلفي للصورة• إن أكثر من ثلاثة عقود، تقريبا، على بداية الانصهار النفسي والثقافي ليست بالهينة، إنها مرحلة جيل بأكمله وقد نضج وتحمل المشاق رغم فارق السن نحن جيل القنطرة التي مرت عليها الدكاكة المتعاقبة• هو أنا وأنت والآخر الآيل إلى الانقراض بفعل السن والإقصاء•

 شابا يافعا كان، أحمد لمسيح، كائنا دكاليا مشبعا برائحة الأرض والكلام، لقد بدأ ظله الشعري يلوح في أفق الرباط من حين للآخر عبر مستويين: عبر مخاض الشعر وولادته في جسده اليافع، وعبر جمعية "أعن أخاك" التربوية- الثقافية بحي التقدم بالرباط• ثمة صديقان صحراويان جميلان هما النجاتي واليوسي يرعيان هذه الجمعية بكثير من العطف والحنان رغم مضايقات البوليس بحجة أنها تمارس السياسة مغلفة بغلاف الثقافة، في هذه الفترة من أواسط السبعينيات، وكان الخناق على أشده، كان لمسيح قد بدأ يطل علينا بنصوصه الشعرية عبر القراءات في مقرات الحزب، هو ومحمد الأشعري، وعبر "المحرر الثقافي الأسبوعي"• هي علاقة جنينية آنذاك بين شاعرين ومناضلين ميزت تلك المرحلة، حيث الكلمة محسوبة على أصحابها والتأويل سيد التحقيق• 

 2-  خجولا أطل، تقول الأغنية المغربية لبلخياط، ولكن إطلالة لمسيح ليست خجولة في نهاية المطاف، بل إنها إطلالة شبيهة بوخز الإبر، فيها نوع من "تحراميات" الشعر والخيال والضربات الموجعة فوق الظهر• شاب نحيل دكالي المولد والمنشأ، سليل الأرض والشجر والماء والحقول• غريكر ومسيسي والدريج وبوفسيو وسطايلة، البقر والغنم والحمير، الفضاء الأخضر كله، بشوش، ذكي، مقلاع، جميل، ودود، إنساني الطباع والصفات، ساخر حتى النخاع، نكايتي، مرن، يعرف كيف يسل الشعرة من العجين، وفي بيته ياما سهرنا حتى الصباح وضحكنا من الوقت ورجاله حتى بانت لنا أضراسنا المسوسة• ثمة غسان وريم الصغيران الجميلان وهما متحلقان حولنا كما لو كنا لهما أجدادا آخرين• كنا نجرهما، و نحن في غفلة من الوقت، إلى التباشير الأولى للصباح دون أن يشبعا من النوم، أما الزوجة الطيبة، أمينة أوشلح، فكانت تحارب الوقت لتنهار في النهاية متعبة وتخلد إلى النوم، تاركة إيانا "نطرز" الكلام تلو الكلام إلى أن نتكربع أليس كذلك يا مصطفى أجدو؟ يا لتلك الأيام الجميلة في خضم هذه الأجواء العائلية الرفاقية، بين وقت وآخر، كان لمسيح يسرق وقته الشخصي ليكتب كلامه العامي والفصيح•  رياح التي ستأتي (1976) - فيضان الثلج (1986) - شكون طرز الما (1994) - بين الظل والجسد (1997)- ظل الروح    (1998) - توحشت راسي (1999) - حريفات (2000) - حال وأحوال (2003) - في البحر ذاكرتي (2004) - زجل (2004) - خيال الماء (2005) - وأخيرا قصيدته المطولة ريحة الكلام. 

 هذا هو المنجز الشعري لأحمد لمسيح، وهو منجز يشير، بوضوح، إلى عمق تجربته الشعرية، حيث يدأ بالفصيح وبالعامي دون أن يخلخل نفسه، وحسنا فعل عندما سكن نهائيا في اللغة العامية وطوع قاموسها اللغوي المهمل لتجربته، ذلك أن لغته المحكية هي شعره، من هنا أهميته كشاعر ذي حساسية مفرطة في التخيل•

 لقد كان الزجل في المغرب، ولا يزال، عند الكثيرين ممن يسمون بكتاب الكلمات، ذا طابع غنائي بسيط إلى درجة السطحية والرداءة، فكل من يمسك القلم يتوهم بأنه يكتب الزجل، حتى باتت الساحة مليئة بأشباه الزجالين،

لكن لمسيح، وهذه وجهة نظري الشخصية لا يكتب الزجل بالمفهوم المتعارف عليه اليوم بل إنه يكتب، الشعر في بعده الحقيقي بغض النظر عن اللغة المكتوب بها، من هنا فرادته وتميزه، وإذا وضعنا قاموسه اللغوي، المتكأ على الموروث البدوي، القاصح، لحرش، الرامز إلى إحالات عديدة في الحياة ومفارقاتها، إذا وضعناه جانبا مع أنه عنصر أساسي في الكتابة الشعرية، فإنه أيضا يمتح من رؤيته الحساسة والبصرية مازجا بين السخرية المرة وبين عنف الكلام المتداول: كلامك طايش فطير وما فيه ملحة بلا تاويل محال تلقى من يقبل عليه سير بدل النشبة ما شدات حروف كجماع الضو بين صباعو يهرب ليه إيلا شاف كلامك راسو في المرايا يريب تنفر منو حروفو تشعل النار فيه

3 -  ليس أحمد لمسيح شاعرا فقط، بل إنه فنان أيضا، كناوي، عازف على الهجهوج، راقص، "بوهالي" وقد اكسبته هذه العناصر مجتمعة خاصية فريدة هي اللعب بالكلمات إضاءة لمعنى مفقود، ومن خلال دواوينه السابق ذكرها، يتبين لنا مدى أصالة تجربته بعيدا عن أي تحذلق لغوي معطوب، هكذا فتح لمسيح أفقا للرؤية وللبصيرة وحبب إلينا اللغة الدارجة ودون نزعة فلكلورية مباشرة هل ننسى محمد شهرمان والدرهم؟ أحمد الطيب لعلج وناس الغيوان؟ باطما وبوجميع؟ هل ننسى مراد القادري وعلي الحداني وإدريس المسناوي ونهاد بنعكيدة؟ ليس من الضروري أن أذكر كل الأسماء الفاعلة في حقل الزجل المغربي المعاصر والأسماء الأخرى الواعدة، ذلك أنهم، كلهم يؤثثون المشهد الشعري الحديث بكثير من التفاصيل والإضافات النوعية، لذلك يحق لنا أن نبتهج بهذه الأسماء وننصت إلى أنينها النفسي الحزين الواصف لحالاتنا، المبتهج، الحالم• آسي أحمد سيدي وليدي حبيبي فريموس خوك عرف من جاك هاتو الخوابي ياولاد اللغة المنسية دماغنا يريد القصيدة كي جيتك؟

 شهادة ألقيت في المهرجان الوطني للزجل (5 و6 ماي بابن سليمان )

  2007/5/27ملحق فكر وإبداع (الاتحاد الاشتراكي )

زجل أحمد لمسيح :: :: 2008 ® حقوق محفوظة