محمد جبران
بورتريه
أحمد لمسيّح: راعي ممالك
الكلمات
من العسير علي، و لا على شبيهي في اللهفة الممعنة في
العشق ، اللحاق بعبد فقير إلى الله من زماننا الأغـبر ، يدعى، و الله أعلم: العزيز
أحمد لمسيّح، و بالأحرى القبض عليه، و بالتالي نحت صورة شخصية تقريبية تستلهم
الاحتفاء به بمنأى عن كواكب مدارج الاحتفاءات التي طوقته أضواء صعودها أخيرا.
ف" لمسيّح "- كمواطن لا بد منه - يمتص سلطة النص،
لطبيعة حقيقة مجرى التفويض الرسولي الذي نذر روحه له ، فهو رحالة في أصل منبت جذور
الكلام لا الفروع، و ليس كل كلام مشغول بوهم الإحساس بالكتابة إبداعا. و لا كل
تشوهات الخلق خارج ديمومة رعاية الآلام و المكابدة ، و بالتالي تغذيتها – من سحر
حليب المعرفة - و استثمارها على خلفيات جماليات خيال مفكر فيه ، لغاية معنى الطلق
و مباركة ولادة القصيدة، زجلا. كم يلزم لمسيح من أعراس و زغاريد مؤجلة؟ كما يلزمه
من دم، و من صرخة موعودة بالاشتعالات في ليالي الأنياب الطويلة . وحدته بملء ضجيج
الدنيا ؟ فكم يلزمه من حر الدفع مدا و جزرا، صعودا و نزولا. ابتهالات عرق و جفاف
في الحلق ؟ كم تلزمه من بلاد حتى يسبك فتنة للقصيدة، يعمدها و يمهرها بخصوصيات طين
جغرافيا أحباب الله، و يسمى الأشياء بأسمائها ؟
على حافة بزوغ فجر القصيدة، ملاك عناية من نور
الاحتراق. قابلة/ ولادة بمعنى من المعاني. فكم يلزم لمسيّح من متاع الدنيا – يا
شبيهي غض الطرف مؤقتا عن... و ما الدنيا إلا متاع الغرور – حتى ييسر لفلذات كبده
سبل عيش كريم يليق بألق القصيدة ؟ وهي محصلة حرقة الدم النازف وتوأمه .. كيمياء
وأريج عطور اللوعة والحنين والخسارات وهي الاستثناء المختلف - يا رب الأكوان
- في وحدة تلاطم أمواج الزجل . كم تلزمه من قراءة حميمية وعاشقة ، تقي فلذات
كبده ، نزعة أهواء الشك في سر يقينية سويتها ، فرادتها وعذاباتها المشرعة على
التجاوز والمغايرة ؟ كم يلزمه من احتفاء يصل القصيدة بمرجعية علاماتها ، إشاراتها
، وبالتالي هويتها ؟ وكم تلزم لمسيح - وهو رجل أطلق الزجل من أقفاص عاميته - من
صورة في رحاب الروح حتى ينثر القصيدة ورد وعي وإدراك في طريق العابرين برقشة
غـبار الحياة ؟
ولكن قبل هذا وذاك ن كم تلزمني وشبيهي من دراجة
هوائية ، حتى أقتفي أثر لمسيّح ؟كم تلزمني من سيارة سبر ، ومن تذكرة سفر ، حتى
ألحق به ؟ فهو يقيم في منبت جذور الكلمات التي لابد منها . بعيد – قريب كالحب
المرتجى ، وكالسهل الممتنع ... كيف ينصب فخاخ مكونات شروط وجوده ودلالات
كينونته في الأراضي البكر – وما هي ببكر- مستدرجا الكلمات غير المسبوقة من منبت
جذورها للذاذات طعوم حياته ، لقمره السهران ولدمه ، لحضن حبة قلبه ، لنكران ذاته
، وتضحيته ؟ كيف يستدرج الكلمات كرات من لحم مدماة ؟ كيف يقمطها – وهو العاري
إلا من مجده الموارى في البلاد المواراة – كيف ينميها ويرعاها ، كيف يربيها على
تهجي الخطوة إلى أن تشب عن الطوق ، وتبلغ مبلغ الرشد ، وقد نبتت لها أجنحة خضراء
؟ يا إلاهي ، كيف يطلقها في العالمين - وفي عينيه الدمعة ؟ وكيف تهل الكلمات –
قصيدة وهي تقرع أبواب القلوب ؟ وكيف تمشي / طائرة ، وفق هدي / اختيارات مربيها ،
وخالقها ؟ وكيف تقول رسالتها ؟ ياإلاهي ، كيف نذهب ، وقد استوعبنا الخطاب ، إلى
الجمال ؟ كيف نمشي إدراكا إلى معنى الوجود ؟ وكيف نفتش في البلاد عن البلاد
المواراة –البلاد المرتجاة ؟
كلما أغلقت سفرا - ديوانا للفقير إلى الله ، أحمد
لمسيح ، انفتحت أمامي أبواب عـديدة ، وضربت آفاق أخرى دمي . هادمي يتحرر من عقال
نظام شرايينه ، وينحو منحى اختيارات الممجدين . فكم يلزمنا من دم إضافي ، وزجل
يقول مالا ينقال ، ويكتب مالاينكتب ؟
تعبنا من الهباء ولابهاء
المصدر : جريدة الاتحاد الاشتراكي ( عدد : 27 فبراير2001)
|