موقع الشاعر الزجال أحمد لمسيح
شهادة حسن نجمي
شهادات
قائمة التصفح

 

كتابات

 

صوتيات
 
مرئيات
 

حسن نجمي

الشاعر الزجال أحمد لمسيح: كتابة تحن إلى نفسها

      ( ..... )في ظرف سنتين، و ربما أقل من ذلك، أصدر الشاعر المغربي المشاغب أحمد لمسيح كل هذا الدفق من الأعمال، في حلل فنية متميزة و بإشراك واع لفنانين تشكيليين مغاربة أساسيين ك "بلامين و عبد الكريم الوزاني و خليل الغريب"، و بالأساس بحرص على تطوير تجربة الكتابة الشعرية و الذهاب عميقا في العملية الإبداعية و الجمالية  داخل العامية المغربية سليلة العربية الكلاسيكية    ( المسماة فصحى).

          أسعدني هذا الحراك الشعري لدى الصديق أحمد لمسيح. فبالإضافة إلى أهمية هذا العطاء الذي يثري تجربة التراكم الذي تحقق حتى الآن في حقل الكتابة الزجلية بالمغرب، يجدد في داخلي ذلك الشغف القديم  الذي يربطني بشعرية لمسيح الزجلية، منذ حفظت الكثير من قصائده العامية  نهاية السبعينات و بداية الثمانينات الماضية، و أنجزت حول تجربته بحثا جامعيا  متواضعا لنيل الإجازة في الأدب الحديث (الرباط 1984)، و رافقت سيرورة  إبداعه الشعري و النثري و اقتسمنا معا الخطوة و الأفق و الاختيارات المرة الأسيانة.

         إن أحمد لمسيح هو أحد أهم الأصوات الشعرية في المتن الزجلي الحديث  و المعاصر بالمغرب، و في مسار تجربته هناك تعدد في الإمكانيات و الخبرات الجمالية و المرجعية، و تمثل متحرك للعامية المغربية (لإحدى العاميات العربية في المغرب، في الحقيقة)، و إذا كان لا بد أن أضعه بين ثلة من كبار الزجالبن الشعراء (و لا أتحدث هنا عن كتاب كلمات الأغاني مع احترامي لهم جميعا)، فإني استحضر على الخصوص أسماء كبرى من أمثال سي أحمد الطيب العلج، الأستاذ علي الحداني، الأستاذ حسن المفتي، و كل له صوته الخاص و قيمته اللافتة. لكن هناك أسماء أخرى أساسية جاءت لتعزز مكاسب القصيدة الزجلية في المغرب من أمثال: محمد شهرمان، عبد اللطيف بنيحيى، محمد بن عيسى، محمد الدرهم، ادريس المسناوي ، مراد القادري، محمد الزروالي، عيسى بقلول  الحياني، رضوان أفندي، نهاد بن اعكيدة، فاطمة شبشوب، محمد موثنا، نعيمة الحمداوي، القضيوي الادريسي، محمد عزيز بنسعد، محمد الراشق....

        و الواقع أن القصيدة الزجلية تم تلق عموما الاهتمام النقدي و النظري الذي تستحقه في المغرب، و ربما لما يطرحه مشكل اللغة و لتعارض العامية مع اللغة " الفصحى"، و غياب ما يكفي من مفاهيم و أدوات و تمرس لإنجاز قراءة لائقة و في مستوى الفعالية  الشعرية و الجمالية للكتابة بالعامية، و لغياب المراجع المؤسسة التي قد تسعف النقاد و الباحثين بمادة نظرية و توثيقية تشكل قاعدة انطلاق.

و حتى على المستوى العربي، لانكاد نتذكر إلا بضع مؤلفات اهتمت بالموضوع و بعض الكتابات و الدارسات المتفرقة نذكر منها كتابات غالي شكري، يوسف الخال، كمال خيربك، فضلا عن بعض كتابات الأستاذ الدكتور عباس الجراري، و جلها حول القصيدة الزجلية القديمة( قصيدة الملحون)و التي اهتم بها أيضا الأساتذة أحمد سهوم، عبد الرحمان الملحوني و المرحوم محمد الفاسي.

       إن أحمد لمسيح لم يأت من فراغ، فهو أحد أصوات القصيدة السبعينية بالمغرب، خريج كلية الآداب بفاس، و خريج البيئة القبلية أساسا، فهو ابن منطقة دكالة، من زاوية سيدي اسماعيل. و تشرب الأصوات الغنائية و الشعرية و الموسيقية الشفوية مما نعثر على تجليات لها واضحة جدا في تجربته الشعرية الأولى. تلك التي تميزت بعنف الخطاب و هيمنة الهاجس السياسي و نزعة التحريض و التلقين و استثمار مكونات الخطاب الساخر، و استعمال العامية البدوية الرائجة في البوادي المغربية و القريبة من شفاه الناس و في مستوى فهم "العامة".

       أما الآن، و كما يجسد ذلك العمل الشعري الجديد "خيال الما" و قبله "حال واحوال "و "حريفات "و "توحشت راسي"، فقد ارتقت كتابة لمسيح الزجلية باتجاه لغة شعرية أكثر صفاء و تشذيبا، أكثر تفصيحا للعامية، و أكثر التصاقا بطابع الكتابة في القصيدة العربية الحداثية المعاصرة. فقد ابتعد فضاء البوادي، و اختفت مكونات الخطاب الشعبي اليومي. كالأمثال الشعبية و روح التنكيت و الثنائيات الضدية و منزع الحكي و البنيات الثلاثية... و طغت نزعة صوفية تنتصر للصوت الفر داني المتوحد الذي  لا ينتبه إلا إلى لنفسه، و لا يحن إلا إلى نفسه. و صارت اللغة أكثر هدوءا و نعومة. صار المعني باطنيا و مكثفا و غدا الأفق الروحي ملاذا للكتابة و للذات الكاتبة.

      إن الشاعر أحمد لمسيح يعيش الآن مسار تحول عميق، و لا أبالغ إذا قلت بأن كتابته الشعرية تجتاز نفسها باتجاه إبدال جمالي جديد. و هو مكسب للمنجز الشعري المغربي المعاصر. 

 

المصدر:  جريدة الاتحاد الاشتراكي ( عدد 18 ماي 2005 ، الصفحة الأخيرة)

زجل أحمد لمسيح :: :: 2008 ® حقوق محفوظة